Friday, August 11, 2006

في مديح لبنان واللبنانيين

في مديح لبنان واللبنانيين


الغد - جميل النمري
11/8/2006


صدرت تعليقات سلبية وايجابية حول دموع السنيورة في اجتماع وزراء الخارجية العرب. التعليقات السلبية رأت انه ليس جديرا برجل الدولة ان يظهر ضعفا في لقاء عام

لقد تابعت البث المباشر لحديث السنيورة ومع كل انفعال كان يتهدج صوته وتدمع عيناه وكنت اشعر به تماما واتعاطف واتفهم موقفه. ولم تفعل انفعالاته الصادقة سوى تدعيم موقفه. وقد زدت احتراما وتقديرا للرجل الذي بات على كل حال يحظى باهتمام استثنائي، حيث يرى المحللون في ادائه اكتشافا مبهرا. فهذا الرجل عاش في ظلّ الحريري كشخصية تكنوقراطية متخصصة في شؤون المال، وجاء في ظلّ أشدّ الأوضاع تعقيدا لقيادة السفينة فأظهر كفاءة وجلد ومهنيّة رجل دولة حديث حفظ المسار اللبناني من التدهور، وفي هذه الأزمة نسج إجماعا وطنيا وصان التماسك الداخلي بموقف سياسي قابل ايضا للتسويق الخارجي، ويحظى بالقبول الدولي، كما في النقاط السبع المعروفة بـ "سلّة السنيورة" وفي مقدمتها قضية بسط سيادة الدولة على كل ارض لبنان، والاستعداد قبل يومين ايضا لارسال الجيش للجنوب وبموافقة حزب الله

ادارة سياسية متطورة للغاية بعيدا عن الزعاماتية والشعاراتية والتدليس، وبدون القناع الزائف الذي يتمّ الإطلال به على الجمهور

نعم بكى السنيورة تأثرا بما فجع به اهله وابناء بلده، وبكى تأثرا بما يدفعه بلده من ثمن في مواجهات لا تنتهي مع اسرائيل لم يدفعها غيره، وهو المتهم دائما في عروبته، وهو الخاضع ابدا للابتزاز، بكى لأن في فمه حصى والأولوية لإدارة المحنة والخروج منها بكرامة وبرأس مرفوع وبلبنان سالم موحد، وهو الذي يسير على حدّ السيف بين التصدّي للعدوان الآثم ودرء الفتنة الداخلية والحرب الأهلية

هذا نمط حضاري من رجال الدولة لا يرتدي قناعاً يخفي عيوبه العقلية والنفسية وسوء التقدير والأداء الذي يضيع الأوطان. هذا نمط من رجال الدولة الذين ليسوا في النهاية سوى مواطنين يقدمون افضل ما لديهم ويتفوقون على انفسهم في خدمة بلدهم وليس هوسهم الشخصي بالسلطة والمجد

لكن ليس السنيورة وحده، فالفارق الحضاري بين لبنان واشقائه العرب يتجلّى في كل شيء. الصورة النمطية عن اللبنانيين النواعم طويت من ايام الحرب الأهلية اللبنانية، لكن لم نر فقط ان اللبنانيين رجال حرب وقتال وشدائد فحسب بل ان اداءهم يتقدم على أيّ بيئة عربية اخرى، وزعماؤهم بكل تلاوينهم؛ يسار أو يمين أو وسط، سنّة او شيعة او موارنة يتقدمون على نظرائهم في اي بلد عربي، خذوا "الأصولي" حسن نصرالله! شتّان بينه وبين قادة "اصوليين" في مناطق اخرى. والفارق ببساطه انه ابن بيئة اكثر تحضرا وتقدما. ان لديه ما يبرر خطابا مزاودا واستعراضيا تنتفخ به اوداجه تيها، لكن هل رأيتم كيف يتحدث، انه في ذروة القتال يطرح اهدافا عملية متواضعه للغاية، ولم يقل ابدا بازالة اسرائيل التي يصرّ عليها الرئيس الإيراني عن بعد آلاف الكيلومترات

هل غصّ السنيورة بما اثقلوا به على لبنان من تهم وتشكيك وابتزاز باسم العروبة والصراع مع اعدائها، وهو يعرف، ولا يقوى على قولها، بانهم فاسدون كذّابون منافقون. لا بأس عليك يا رئيس وزراء لبنان كان تقدمكم مأخذا عليكم، وكانوا يريدونكم اكثر تخلفا حتى تكونوا "عربا". والآن نعرف ان التقدم الحضاري ليس ميزة لأيام العيش الرغد والليالي الملاح بل انه ميزة اكبر لأيام الحرب والنوازل والمواجهات، كما اثبتم في هذه الأيام المريرة. انتم الآن أفضل العرب وانتم قدوتهم

No comments:

Post a Comment